التوائم الملتصقة بولندي أولقا وداريا
التوأم البولندي (داريا) و (أولجا)
في شهر يناير من عام 2003م وفي بلدة يانيكوفو الصغيرة في بولندا، تعيش السيدة "ويسلاوا دابروفسكا" حياة هادئة لا يعكر صفوها شيء. شعرت هذه السيدة بأعراض الحمل وسرت بهذا الخبر. ومع تقدم أشهر الحمل، ظهرت عليها بوادر وأعراض غريبة ومختلفة عن تلك التي عرفتها من قريباتها وصديقاتها، فسارعت إلى إجراء الفحوصات وعلمت أنها تحمل توأماً من الإناث. اختلطت مشاعر الفرح والقلق عند ويسلاوا بعد معرفتها بهذا الخبر، فكيف تستطيع التعامل مع طفلتين رضيعتين في وقت واحد.
استمرت الأم في مراجعة المستشفى، وأحست الطبيبة أن هذا الحمل غير واضح وساورتها الشكوك بوجود أمر غير عادي، لذلك طلبت منها مراجعة مركز متخصص لتشخيص الحالة، وتبين بعد الفحوصات أنها كانت تحمل توأماً ملتصقاً. صعقت الأم وهالها الخبر، وبدأت بطرح الأسئلة لكنها لم تتلق أي إجابة شافية من الأطباء والمشرفين عليها. وعلمت أن التعامل مع حالات التوائم الملتصقة قاصر على مراكز متخصصة لها خبرات وتجارب في هذا المجال، ويحتاج إلى أموال طائلة ونفقات عالية لا تملكها عائلتها البسيطة.
وفي الثامن من شهر أكتوبر عام 2003م، خضعت "ويسلاوا دابروفسكا" لعملية قيصيرية لولادة التوأم الإناث اللاتي أسمتهما "داريا وأولغا"، وأخبرها الأطباء أن التوأم ملتصق في منطقة الورك والحوض، وزاد قلقها وفزعها عندما أكد لها الأطباء أن عملية فصلهما معقدة وشديدة الصعوبة ومكلفة للغاية. ولم يغمض للأم جفن منذ ولادة التوأم، وسيطر عليها التفكير في وسيلة تعينها على البحث عن ملاذ لمساعدة طفلتيها.
لم تتوان ويسلاوا في وضع نداء استغاثة على شبكة الإنترنت لعلها تطرق آذان العالم. وذات يوم، تلقت الأم اتصالاً من قريبها في الولايات المتحدة الأمريكية يخبرها أن الاستجابة جاءت من المملكة العربية السعودية التي يوجد فيها برنامج لفصل التوائم الملتصقة. وصل نداء الأم إلى القيادة السعودية التي وجهت بسرعة نقل التوأم وأمه من بولندا إلى المملكة العربية السعودية ليتمكن البرنامج السعودي لفصل التوائم الملتصقة من فحصهما واتخاذ قرار بشأن إمكانية الفصل، مع تغطية الحكومة السعودية لجميع التكاليف بالكامل، وغمرت السعادة قلب الأم وعاد لها الأمل بأنهم سيجدون الرعاية المتخصصة التي تحتاج إليها الطفلتان.
وصلت الأم وتوأمها وطبيبة بولندية متدربة لمساعدتها على الترجمة إلى مطار الملك خالد الدولي في 12 ديسمبر 2004م؛ حيث كان في استقبالهم فريق طبي وسيارة إسعاف نقلتهم إلى مدينة الملك عبدالعزيز الطبية للحرس الوطني بالرياض، وكان الفريق الجراحي المتعدد التخصصات للبرنامج السعودي للتوائم السيامية في استقبالهم عند باب المستشفى بحضور بعض وسائل الإعلام المحلية والخارجية، كما كان في استقبالهم سفير بولندا بالمملكة العربية السعودية.
باشر الفريق الطبي على الفور وعلى مدار أسبوعين إجراء فحوصات دقيقة للتوأم. وتبين أن الطفلتين ملتصقتان في منطقة البطن والحوض والورك والحبل الشوكي، وتتطلب الحالة إجراء مزيد من الفحوصات الدقيقة لاتخاذ القرار النهائي بالفصل. عقد الفريق الجراحي اجتماعا راجعوا خلاله حالة التوأم واستعرضوا فحوصات متعددة ودقيقة، وصور أشعة مقطعية، وأشعة مغناطيسية، وقياس قوة العضلات والأعصاب، وأشعة ملونة للأمعاء والمسالك البولية. وتبين وجود اشتراك في مؤخرة الحبل الشوكي مع تداخل الأعصاب بين الطفلتين، واشتراك في الأمعاء الغليظة وفتحة الشرج والتصاق وتقارب في الجهاز التناسلي واشتراك في عظم الحوض والورك.
كانت هذه الحالة معقدة، تمثلت خطورتها في الخوف من احتمالية إصابة التوأم بالشلل بسبب التداخل الكبير في الأعصاب. بعد ذلك اتفق الجميع على إمكانية فصل التوائم بنسبة نجاح تصل الى 70? مع احتمالية حدوث ضعف أو شلل في الأطراف السفلية وعدم التحكم في فتحة الشرج، وتم شرح تفاصيل الحالة بدقة للأم والطبيبة المرافقة.
وافقت الأم على إجراء العملية بالرغم من المخاطر والمخاوف لإيمانها أنها أفضل فرصة للطفلتين لعيش حياة طبيعية.
قرر الفريق الطبي إجراء العملية يوم الإثنين3 يناير 2005م، وكانت العملية منقولة على التلفاز وشبكة الإنترنت. بعد خمس عشرة ساعة ونصف الساعة فصلت داريا عن أولغا بفرحة عارمة في غرفة العمليات وقاعة الاجتماعات التي كانت أم التوأم والطبيبة المصاحبة لها والسفير البولندي موجودين فيها. واكتملت مراحل العملية بإعادة تأهيل الأعضاء وإقفال الجراح واستغرقت كل مراحلها 18 ساعة ونصف الساعة متواصلة.
بعد ثلاث ساعات أخرى، استقرت حالة الطفلتين واكتملت العملية.
خرج الفريق الطبي من غرفة العمليات بصحبة التوأم وكانت الأم أول المستقبلين، واستقبل الفريق الطبي اتصالاً من القيادة لتهنئة الفريق الطبي وأسرة التوأم على هذا النجاح الباهر.
مكثت الطفلتان في العناية المركزة للأطفال نحو 12 يوماً، ثم نقلتا إلى جناح الأطفال لبدء عملية التأهيل.
في 20 مارس 2005م، قام الرئيس البولندي السابق ليخ فاليسا بزيارة التوأم البولندي في مدينة الملك عبدالعزيز الطبية للحرس الوطني.
وبعد اكتمال عملية التأهيل خلال شهرين غادرت الطفلتان المستشفى مع والدتهما عائدتين إلى بلدهما بصحة وعافية.
تابع العالم أجمع بترقب شديد هذه العملية عبر وسائل الإعلام وشبكة الإنترنت، وأقيمت احتفالات كثيرة في جميع أنحاء العالم وتم إنشاء بعض المراكز الدولية في بولندا للإشادة بالمملكة والخدمات الإنسانية الجليلة التي قدمتها. وإزاء هذا النجاح أصبح الملايين من البولنديين يتحدثون عن المملكة العربية السعودية ويكتبون عنها في صحفهم.
إن نجاح عملية فصل داريا وأولغا فتح آفاقاً جديدة لتطوير العلاقات السياسية والتجارية والثقافية والتعليمية بين المملكة وبولندا، وهي روابط مستمرة حتى يومنا هذا. وبعد العملية بعامين عاد التوأم إلى المملكة العربية السعودية لإجراء الفحوصات والاطمئنان عليهما، وتبين أن حالتهما ممتازة واعتادتا المشي والركض دون أي مشكلات.
التقى الدكتور الربيعة بصفته المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بالفتاتين وأمهما في بولندا خلال زيارته الرسمية عامي 2018م و2019م.
لم تنقطع الأم عن التواصل مع فريق البرنامج السعودي لفصل التوائم الملتصقة وإرسال صور للفتاتين وإطلاع الفريق على حالتهما. ولا تزال داريا وأولجا تتلقيان الرعاية الصحية لبعض آثار عملية الفصل، لكنهما تتمتعان بصحة جيدة.
العملية رقم #11 (أولقا وداريا)
قبل العملية
بعد العملية







